‘rachel de queiroz’

الجميلان والقبيحان – قصة لراشيل دي كيروز

24 يناير 2017

لن تعرف حقًا سبب حبٍ ما. ومع ذلك، فإن الأكثر شيوعًا هو الجمال. أود القول بأن المعتاد هو أن القبيحين يحبون الجميلين، والجميلين يتركون ليحبوا بعضهم. ولكن يحدث مراتٍ أن يحب الجميل الجميل، والقبيح القبيح، ويبدو كل شيء محققًا وتبعًا لإرادة الله، ولكن هذا خطأ. فما تفعله في هذه الحالة هو تحديد القبح، وفي الأخرى تحديد الجمال، وهذا ليس صحيحًا، لأن الله ربنا لا يحب المبالغات: فخلقه للاختلاف الكبير بين الرجال والنساء في هذا العالم إنما هو للحصول على خليط من الجرعات وليس للإساءة الفجة دون أي معنى. لهذا أيضًا، هي خطيئة أن تتمحص في العرق: الأبيض فقط يعجبه الأبيض، والملون فقط يعجبه ما يشبهه. إذاً فلم جعلهم الله مختلفين كثيرًا إن لم يكن ذلك لإتاحة التنوع اللامتناهي لتمازجهم؟

الحالة التي سأقصها هي مثال: يدور حول قبيحين وجميلين أحب كل واحد منهما الآخر الذي يشبهه. وبينما الجميلان أحبا بعضهما بقدر، فقد أحب القبيحان بعضهما كثيرًأ، أعني أن القبيح أحب القبيحة وكأنها كانت جميلة. القبيحة، معبئةً بالكثير من الحب، بقيت في وهم الجمال وتقريبًا شعرت بأنها فاتنة، لأنه، في الحقيقة، الشيء الوحيد الذي يجعلنا جميلين في أعيننا هو انعكاسنا في أعين من نحب.

هل سبق لك رؤية راعي بقرٍ بالملابس الجلدية؟ انه زي رومانسيٌ للغاية والذي، على جسد رجل وهزيل أيضًا، يصنع المعجزات. إنه نوع من الجلد طبق الأصل من درع فارس.

من الرأس حتى أخمص القدمين يحمي الذي يرتديه، من النعلين ذوي الواجهة المغطاة، والطماق المناسب جدًا لإراحة الساقين والأفخاذ، السترة الواقية الملتفة على الجذع، والصدرية الواسعة التي تبرز أكثر نحولة الرجل، وأخيرًا القبعة التي هي تقريبًا نسخة مطابقة لخوذة “ممبرينو”. في الحقيقة، ما قلت بناءً على الملابس الجلدية على الرجل النحيل، وأقول ذلك مرارًا وتكرارًا، لأنني لم أر أبدًا راعي بقرٍ سمين. ينطبق هذا على مصارع ثيران سمين، والذي هو من المستحيل. إذا لم يكن الرجل خفيفًا وخاليًا من اللحوم، لن يستطيع أبدًا قطع “الكاتينغا” خلف ثور، ولن يكون حصان هنا يتحمله.

بطلا قصتي، كلا القبيح والجميل، كانا رعاة بقر بالحرفة. والفتاتان التي يحبان كانتا قريبتان: وعلى الرغم من الاختلاف بينهما في مقدار الجمال، فإنهما متشابهتان. أنا لا أقول أن الواحدة منهما هي رسمة من الأخرى، ولكن، على الأقل، هي إصدار أكثر خشونة. وجه هندية، عيونٌ لوزية، ولون الزيتون متورد في الجميلة، مكرر هذا في القبيحة، ليعطيك وجه هندية رهيب. كل شيء كان في الأولى جمالاً صعب الترويض، أصبح في الثانية قبحًا خبيثًا.

فجأةً، لا يعرف كيف، كان هناك تحول. الجميل، لسبب غير مفهوم، تغير. هجر السعي وراء جميلته. اتجه إلى التسكع في منزل الأخرى، في البدء ادعى أن لديه رسالة يسلمها، ولاحقًا حتى هذا الاجراء الاحترازي لم يعد يتخذه. من يدري ما رآه. جوهريًا، ربما انصاع لذاك الاتجاه المبارك الذي يأخذ بالرجال الجميلين إلى البحث عن أضدادهم; ليباركهم الله على هذا، ولكن ماذا سيحصل لنا نحن، القبيحات؟ أو ربما كان بسبب أن الجميلة، عارفةً كيف كان، لم تبذل جهدًا في الحفاظ على حب أي أحد. في حين أن القبيحة المسكينة الكل يعرف كيف هو الأمر – تمتلك تلك العادة من الامتاع و، باستخدام التعاطف، خصم جحود الطبيعة. وبعيدًا عن كون قبيحها محبًا مخلصًا، كما لم يغر على القبيحة من جمال الآخر، والذي تحصل عليه قريبتها وكأنه أمر طبيعي، وكأن النهار نهار والليل ليل. في ذلك الحين ما أرادت القبيحة فعليًأ هو أن تجعل النهار حالك والليل وضاء – والمضحك أنها تمكنت من ذلك. الكثير يستطيع إذا حاول جاهدًا.

شعر القبيح على الفور بالتغيير وفهم الأمر كله. ذهب لرؤيتهما. لو أن هذه القصة مختلقة كان من الممكن القول أنه، عند رؤية الخيانة، التفت إلى الجميلة وكل شيء تم على مايرام. لكن في الحياة الفعلية الأشخاص لا يحبون التعاون مع الحظ. يفعلون كل شيء لعرقلة حل المشاكل، والذي في بعض الأحيان يكون أمام أوجههم ولكنهم لا يريدون أن يرون. وهكذا، بقي القبيح يلعن الحياة، ولم يتذكر أبدًا أن يبحث عن العزاء مع الجميلة المهملة; وهي، شاعرةً به بجانبها، اهتمت بصانع نبيذ فتي والذي لم يكن جميلاً كراع البقر المخادع، ولكن لديه الكثير منه ويمكنه الزواج بلا تأخير وبدون أي شروط.

وهكذا، بقي في اللعبة الثلاثة فقط. القبيح كل يومٍ أكثر يأسًا. القبيحة، التي تسير على السحب، وكل مرةٍ يضع لها “القريب” (لأنهم كانوا أبناء عمومة) تلك الأعين الخضراء – أنا قلت أنه علاوة على كل شيء، كان يمتلك أعينًا خضراء؟ – كانت تعتقد أنها في طريقها للدخول إلى باطن الأرض، من السعادة الغامرة.

ولكن الأسوأ هو أن رعاة البقر الإثنين لا زالا يخرجان كل يومٍ معًا إلى الحقل، فقد كانا أجيران في نفس المزرعة واعتادا على العمل في فريق، وكأنهما كوزماس وداميان. وسيكون من المستحيل أن ينفصلا من غير أن يرحل أحدهما بعيدًا، و، من البديهي، لا أحد منهما يمكن أن يعتزم ترك المكان شاغرًا للآخر.

وهكذا كانت المكيدة المسلحة، بينما القبيحة، في ليلةٍ ما، تتحدث من النافذة مع جميلها الذي جاء هناك خفيةً، قطفت قرنفلة أزهرت من نبتة قرنفل مزروعة في آنية صلصال وعلقتها على شوكة قش متكئة على النافذة (كان جزءًا منها، أن تمتلك حمى المرأة الجميلة) وحينما استشنق الفتى زهرة القرنفل، أغلقت الأعين وقالت له بصوت خافت:

أنت تعلم أن الآخر قد أقسم بالفعل على موتك؟

(أرى أن هذه القصة تطول كثيرًا – فقط سأترك البقية للأسبوع القادم)

لقد قلت أن المحتقر قد أقسم على موت الخائن. هل سيكون ذلك حقيقة؟ من يعلم الأشياء التي يمكن أن تفعلها امرأة قبيحة متنكرة في جميلةٍ بحب رجلين، راغبة أن يكون حبها مدفوعًا بضريبةٍ مرتفعة جدًا من الشغف؟

الفتى الوسيم خاف. الناس الجميلة معتادة على استقبال الحياة كل شيءٍ إذا جاز التعبير بالمجان، دون صراعٍ أو عداوة، وكأنه حقهم الطبيعي، الذي حري بالآخرين الاعتراف به بامتنان. النساء يرغبون به، الرجال يفتحون له الطريق. وليس هذا في أمور الحب فقط: منذ كان صغيرًا، الطفل الجميل اعتاد إيجاد السعادة، يكفي أن يفتعل تجهم البكاء أو يخفض عينًا بألم، كل العالم يتحرك له، يطلب قبلةً، أعطه الذي يريد. فقط القبيح من يبكي بلا محاباة، نحسب نحن أنه الصباح، الأسهل إعطاؤه بعضًا من سمك “اللوريكاريدي” من أن تدخل عليه البهجة. هكذا هو العالم، وإن كان هذا خطأ، من أوجده كان آخر لم يعطنا الرضا والاكتفاء.

إذًا الوسيم خاف. للحد الكافي كي يرى الآخر منتكسًا، هو الذي عاش جد واثق، وكأنه يؤجل واجب الرجل المسكين في إخلاء الفتاة وأن يخلع القبعة له أيضًا. أصبح يرى الشر في كل شيء. في الصباح، وقت امتطاء الخيل، تفحص السرج والركاب، والحوافر الأربعة للحيوان. هو، الذي استخدم فقط مطواة عندما ذهب للتسجيل في البداية، ابتاع علنًا سكينًا، شحذها على حافة السد، وأزالها فقط من حزامه للنوم. وعند مغادرته إلى الحقل مع مرافقه، بدلاً من المسير جنبًا إلى جنب، تبعًا للعادة، سار بالخلف، عشر قامات بين الخيل والآخر.

القبيح لم يقل أي شيء. لم يلحظ مستجدات زميله. كما دومًا، يسير مسلحًا. لم يحتج أن يبتاع سكينًا لتكون ندًا لسكين السمك الجديدة لمنافسه. و، كونه بالطبع قليل الكلام، استمر صامتًا ومنغلقًا معه.

والآخر – نحن النساء معتادون على التفكير بأن كل الرجال الشجعان جميلون، ولكن العكس نادرًا ما يكون صحيحًا، فليس كل جميلٍ شجاع. الذي لدينا كان خوافًا. كان خوافًا لكنه أحب، والذي وضعه في موقف مؤلم. لم يحب، ذهب بعيدًا، العالم كبير، السبل تجري جيئةً وذهابًا. الآن، مع ذلك، فقط بقي له أن يحب ويخاف. أو يدافع عن نفسه. ولكن كيف؟ المنافس لم يفعل شيئًا، بقي فقط في ذاك التهديد الصامت: الوعود بالموت التي عقدها – إن كان قد عقدها – من وعود ليست من الماضي بعد. يا إلهي،  وهو لم يكن رجل قتال، لم أقل ذلك؟ كان على يقينٍ إن استفز تلك الروح المنغلقة، سيموت.

حسنًا، تلك الوعود كانت حقيقية. القبيح أقسم على موت الجميل ولم يكن ذلك كلامًا نطق به من غير قصد، في حضور محبوبته، وإنما في ليالي الأرق، في ظلمة الغرفة، وحيدًا في كراهية قلبه. استغرق ساعاتٍ يفكر في كيف سيقتله – قطع السكين، ثقب الرصاص، ضرب الهراوة. فقط استطاع النوم عندما كان مع الجثة أمام عينيه، جميلةً وبيضاء، آه، جميلة لا، لذلك، عندما قتله في الحلم، أول شيء فعله هو إفساد وجه دمية الخزف ذاك، وتركه بحالةٍ قبيحةٍ جدًا إلى درجة أنه حتى دود القبر سيشمئز منه. ولكن كيف؟ لا يستطيع أن يبدأ الشجار، أن يقتله، من غير سابقةٍ أو سبب.

في وقتنا الحاضر العدالة ساءت كثيرًأ، فلا يوجد رئيس يحمي الشخص الذي يتسبب بالموت، كما أن الهرب ليس سهلاً، مع كلٍ من التلغراف، الطائرة، والسيارة. وماذا يخدم القتل، وبعدها يتحتم العقاب بالسجن؟ هكذا، الذي ينتهي به دفع ثمن الجريمة سيكون هو نفسه. الآخر يمكن أن يذهب إلى المطهر، ميتًا من غير اعتراف، ولكن كان هو الذي بقي في الجحيم، في السجن. إذًا حينها كان عنده فكرة مكيدة. أن يضع بندقية مع رباط على الزناد … عندما يقوم بفتح الباب. ليس هذا محققًا، فكل الناس سيعرفون المؤلف وراء الفعلة. يهاجمه في الأدغال ويقول أنه كان نمرًا مرقطًا … ماذا، أي نمر سيهاجهم راعي بقر في وضح النهار؟ أو نطحة ثور؟ صعب، لأنه ينبغي ان يتم إحضار الثور، في الزمان والمكان … تذكر وقتها قضية حدثت منذ سنوات عديدة، تقريبًا في فناء المزرعة. العجوز ميراندا لحق بعجل، الحيوان دخل من تحت فرع شجرة “مولونغو”، الخيل تبع العجل، وفوق الخيل كان راعي البقر: الخشبة أصابته تمامًا وسط جبهته، هناك، وعندما خرج الخيل من ظل “المولونغو”، العجوز كان ميتًا بالفعل … هل يمكن إعداد فخٍ مماثل؟ كيف يحث منافسه؟ … استغرق الأمر أربعة أيام من البحث السري لإيجاد فرع شجرةٍ بهذه الطريقة. في النهاية وجد شجرة “كومارو”  على حافة طريق، حيث الماشية تمر للذهاب للشرب عند البحيرة. شجرة الكومارو مدت أفقيًا ذراعًا على مترين من الأرض، مغطيةً الطريق على مقربةٍ بعد انحنائة به. بأي وقت سيمر الإثنان من هناك مرةً أخرى. وعندما يمر واحد منهم فقط من الطريق الضيق، سيكون كافيًا له أن يبقى في الخلف، يشد بسرعةٍ الخطى، ويضع السوط على الخيل في المقدمة; الآخر، خائفًا من إنطلاقة الخيل، لم ينتبه للفرع – وكان رجلاً ميتًا.

ولكن لم ينجح. هذا هو، نجح من البداية حتى النهاية – فقط نقصه نهاية النهاية. لهذا عاجلاً في اليوم الذي يليه سارا بالطريق، مطاردين عجلاً. الجميل في المقدمة، القبيح في الخلف، كما هو متوقع. عندما وصلا إلى المنحنى الذي يلتف نحو “الكومارو”، الذي في الخلف رفع سوطه، وجه تسديدة رهيبة على ردف الخيل في الأمام، الذي جزع بالفعل عن وضعه الطبيعي، والحيوان فز. لكن غريزة راعي البقر أنقذته في آخر لحظة. شعر بناقوس خطر، رفع عينيه، رأى الفرع، ألقى نفسه فوق السرج وترك “الكومارو” خلفه. بعد ذلك بفترة وجيزة انقضت “الكاتينغا” وبدأ حاجز البحيرة. الجميل أوقف أخيرًا الحصان وترجل منه. من الممكن أن يكون خوافًا، ولكن لم يكن غبيًا، وغضبٌ شديد تملكه، إلى درجة أنه قضى على الخوف في القلب. من غير أن يقول كلمة، سحب الحبل من تحت غطاء السرج، وأخذ يلوح بيده السوط الملتف. وكأنه يريد صيد العجل وربطه والذي توقف خطوات عديدة أبعد، وبقي مواجهًا لهما من بعيد. المرافق تعجب; هل هذا الغبي يتوقع أن يصطاد الثور، بهكذا مسافة؟ بالتأكيد لا يدرك أنه مشى قريبًا من الموت … لكن حلقة الحبل، قاطعةً الهواء، قطعت عليه تفكيره: بدلاً من أن تنقاد إلى رأس العجل، ذهبت باتجاهه، غطته، اشتدت حوله، أحكمت ذراعيه على جسده و، ساحبًا إياه بنتلة، ألقاه عن الخيل في الأسفل. في لحظة كان بالفعل فوقه، مع ضحكة وحش على وجهٍ جميل.

– أردت أن تقتلني، أيها الكلب … ضربت الخيل عن قصد، معتقدًا بأنني سأصدم الرأس بالخشبة … أحد هذين الإثنين على خط الموت، أليس كذلك؟ فعلاً هو كذلك بالتأكيد … أحد هذين الإثنين سيموت. عندما تحدث، لاهثًا من الجهد ومن الغضب، كان يحكم وثاق حبل الرجل الساقط مذهولاً، مما جعل منه كرة من الحبل. ذهب إلى الغابة، تأخر لبرهة مختفيًا بين الطيور وعاد بما أراد – فرع “إمبورانا”  بسماكة ذراع رجل. لمرتين ضرب الفرع على جبهة العدو. توقف قليلاً كي يرى إن قتله. وكما بدا له أن الرجل لا زال لديه بقية نفس، من جديد ضرب، دائمًا في نفس المكان.

وصل إلى المزرعة، مع مرافقه ميتًا على سرج حصانه الذي يخصه، هو على الردف، ممسكًا إياه باليد اليمنى، محتضنًا إياه كأخ; مع اليد اليسرى تسحب الخيل من غير لجام.

لم يشكك أحد في الحادثة. ذهب أناس إلى الموقع، تفحصوا الفرع القاتل، ممدًا على الطريق كعصا مذراة. غرسوا صليبًا في المكان.

والجميل والقبيحة انتهى بهم الأمر متزوجين، فحبهم كان صادقًا. كانا سعيدين. هي لم تفهم أبدًا الذي حصل، والندم هو لم يشعر به أبدًا، لأنه، كما قال للكاهن في اعتراف، قتل لكي لا يموت.

والمغزى من القصة؟ المغزى قد يكون القول المأثور: يعمل القبيح لكي يأكل الجميل. أو لنؤلف مقولة جديدة: بين القبيح والجميل، تمسك بالجميل. الله يرعى الجميلين تحت يده.

rachel de queiroz

النص الأصلي